حبيب الله الهاشمي الخوئي
39
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الخامسة - ما أشار إليه بقوله ( ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ) ويعتزل عن الخلق ويتخلَّى للعبادة ( فأراه ولا يراه ) أحد ( غيرى ) قال الشارح المعتزلي : حديث مجاورته بحراء مشهور ، قد ورد في الكتب الصحاح أنه صلَّى اللَّه عليه وآله كان يجاور في حراء من كلّ سنة شهرا ، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين ، فإذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدء به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللَّه من ذلك ثمّ يرجع إلى بيته حتى جاءت السنة التي أكرمه اللَّه فيها بالرّسالة ، فجاور في حراء شهر رمضان ومعه أهله خديجة وعليّ بن أبي طالب وخادم لهم ، فجاءه جبرئيل بالرّسالة قال صلَّى اللَّه عليه وآله : جائني وأنا نائم بنمط فيه كتاب فقال : اقرأ ، قلت : ما أقرء فغشني حتّى ظننت أنّه الموت ، ثمّ أرسلني فقال * ( « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ « ) * إلى قوله * ( عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) * ، فقرأته ثمّ انصرف عنّى ، فنبّهت من نومي وكأنّما كتب في قلبي كتاب الحديث وفي كتاب حيوة القلوب للمحدّث العلَّامة المجلسيّ عن عليّ بن إبراهيم وابن شهرآشوب والطبرسي والرّاوندي وغيرهم من المحدّثين والمفسّرين أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان قبل مبعثه يعتزل عن قومه ويجاور الحراء ويفرغ لعبادة ربّه سبحانه ، وكان عزّ وجلّ يسدّده ويهديه ويرشده بالرّوح القدس والرؤيا الصّادقة وأصوات الملائكة والالهامات الغيبية ، فيدرج في مدارج المحبّة والمعرفة ، ويعرج إلى معارج القرب والزّلفي ، وكان سبحانه يزيّنه بالفضل والعلم ومحامد الأخلاق ومحاسن الخصال ولا يراه أحد في أيّام مجاورته به وخلال تلك الأحوال غير أمير المؤمنين عليه السّلام وخديجة . السادسة - ما أشار إليه بقوله ( ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وخديجة وأنا ثالثهما ) هذا الكلام صريح في سبقه على جميع من سواه من الرّجال بالاسلام ، ونظيره قوله في المختار المأة والأحد والثلاثين : اللَّهم إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب